ابن قيم الجوزية
7
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
[ مقدمة المؤلف ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ( وبه نستعين . ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ) الحمد للّه رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين . وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له رب العالمين ، وإله المرسلين ، وقيوم السماوات والأرضين . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المبين ، الفارق بين الهدى والضلال ، والغيّ والرشاد ، والشك واليقين . أنزله لنقرأه تدبرا ، ونتأمله تبصرا ، ونسعد به تذكرا ، ونحمله على أحسن وجوهه ومعانيه ، ونصدق به ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه . ونجتني ثمار علومه النافعة الموصلة إلى اللّه سبحانه من أشجاره ، ورياحين الحكم من بين رياضه وأزهاره . فهو كتابه الدالّ عليه لمن أراد معرفته ، وطريقه الموصلة لسالكها إليه ، ونوره المبين الذي أشرقت له الظلمات ، ورحمته المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات ، والسبب الواصل بينه وبين عباده إذا انقطعت الأسباب ، وبابه الأعظم الذي منه الدخول ، فلا يغلق إذا غلّقت الأبواب . وهو الصراط المستقيم الذي لا تميل به الآراء ، والذكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء ، والنّزل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء ، لا تفنى عجائبه ، ولا تقلع سحائبه ، ولا تنقضي آياته ، ولا تختلف دلالاته ، كلما ازدادت البصائر فيه تأملا وتفكيرا ، زادها هداية وتبصيرا . وكلما بجّست معينه فجّر لها ينابيع الحكمة تفجيرا . فهو نور البصائر من عماها ، وشفاء الصدور من أدوائها وجواها ، وحياة القلوب ، ولذة النفوس ، ورياض القلوب ، وحادي الأرواح ، إلى بلاد الأفراح ، والمنادي بالمساء والصباح : يا أهل الفلاح ، حيّ على الفلاح . نادى منادي الإيمان على رأس الصراط المستقيم : يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الأحقاف : 31 ] . أسمع - واللّه - لو صادف آذانا واعية ، وبصّر لو صادف قلوبا من الفساد خالية . لكن عصفت على القلوب هذه الأهواء فأطفأت مصابيحها . وتمكنت منها آراء الرجال فأغلقت أبوابها وأضاعت مفاتيحها . وران عليها كسبها فلم تجد حقائق القرآن إليها منفذا . وتحكمت فيها أسقام الجهل فلم تنتفع معها بصالح العمل . واعجبا لها ! كيف جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تسمن ولا تغني من جوع ، ولم تقبل الاغتذاء بكلام رب العالمين ، ونصوص حديث نبيه المرفوع . أم كيف اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطأ والصواب ، وخفي عليها ذلك في مطالع الأنوار من السنة والكتاب ؟ . واعجبا ! كيف ميّزت بين صحيح الآراء وسقيمها ، ومقبولها ومردودها ، وراجحها ومرجوحها ، وأقرّت على أنفسها بالعجز عن تلقي الهدى والعلم من كلام من كلامه لا يأتيه